خليل الصفدي

290

أعيان العصر وأعوان النصر

وكانت عنايته بالكتب إليها المنتهى ، وبلغ من جمعها ما أراد واشتهى ، لمّا مات قجليس بمصر وهو بحلب ، أرسل ألفي دينار ؛ ليشترى له بهما كتب من تركته ، وجهّز إلى بغداد ، واستنسخ فتاوى ابن قاضي خان « 1 » ، وعلم الناس رغبته في ذلك ، فحملوا إليه حملا من أطراف الممالك . وكان له معرفة بعلم الميقات ، وعنده من ذلك بناكيم وآلات ، ولم ير في الترك مثله سكونا ووقارا ، وهيبة وشعارا ، وملكة لنفسه عن الغضب واقتدارا ، قلّ أن عاقب ، وطالما خاف إلهه وراقب ، لم يسفك دما في حلب مدة إقامته ، ولا ظلم أحدا من الرعايا في نيابته ، واجتهد في حلب على سياقة نهر الساجور « 2 » ، وبذل فيه أموالا يتحقق بها أنه عند اللّه مأجور ، وما زال إلى أن أدخله حلب ، وساق به إليها كل خير وجلب . وكان يؤثر أهل العلم ويدنيهم ، ويخصهم بالذكر ويعنيهم ، له حنوّ زائد على الشيخ أثير الدين ، وعلى الشيخ فتح الدين بن سيد الناس ، ولم يمكن أستاذه مدة مقامه بمصر من خروج عن الواجب ، وأمراء الدولة والخواصّ كلهم يهابونه ويخافونه ، وللملك به جمال ، ولبدر الدولة بنيابته كمال ، وعلى الوجود إضاءة ، وللنيابة قعدد وأناءة ، ولما تولاها أجراها على السداد ، وقرّر قواعدها ووطد مجدها وساد ، وذلك من أواخر سنة إحدى عشرة فيما أظن إلى سنة سبع وعشرين وسبعمائة ، وهي تجري بريح طيّبة الهبوب ، سالمة من شرر الشر والألهوب . وكان قد توجه إلى الحجاز في سنة ست وعشرين ، وفي قلب القاضي فخر الدين ناظر الجيش منه قلوب ، هو يودّ أن يرمي أسده في أقلوب ، فاغتنم غيبته ، وجدد في كل وقت غيبته ، مع ما كان في نفس السلطان منه ؛ لأمر ندبه إليه في الباطن لم ير اعتماده ، وخاف فيه حشره إلى اللّه ومعاوده ، ولما عاد من الحجاز لم يدعه بكتمر الساقي يدخل إلى السلطان ، ولم يساعد في أمره على ما سوله الشيطان ، وبقي عنده في بيته ثلاثة أيام بلياليها ، والفكرة في أمره تشتبك عواليها ، إلى أن جهز السلطان الأمير سيف الدين الجاي الدوادار إلى حلب ؛ لإحضار نائبها علاء الدين الطنبغا ، وأكد عليه في سرعة التوجه ، والعود لما أراده في ذلك وابتغى ، ثم إنه رسم لأرغون بنيابة حلب ، أخرجه مع الأمير سيف الدين أيتمش إليها ،

--> ( 1 ) ابن قاضي خان هو : الإمام فخر الدين حسن بن منصور الأوجندي الفرغاني ، المتوفى في سنة 592 ه . ( انظر : الكشف عن وجوه القراءات : 2 / 1227 ) . ( 2 ) نهر ساجور : لفظ ساجور الكلبي ، وهي خشبة تجعل في عنقه يقاد بها وهو اسم نهر بمنبج . ( انظر : معجم البلدان : 3 / 170 ) .